العلامة المجلسي

158

بحار الأنوار

وذكر أبو إسحاق ابن عباس أنه أخذ هذا على ابن الراوندي ( 1 ) فإنه قال في كتاب له سماه : الرد على من يحتج بصحة النبوة بالمعجزات ، فقال : ومن أين لكم أن الخلق يعجزون عنه ، هل شاهدتم الخلق ؟ أو أحطتم علما بمنتهى قواهم وحيلهم ؟ فان قالوا : نعم ، فقد كذبوا ، لأنهم لم يجوبوا المشرق والمغرب ، ولا امتحنوا الناس جميعا ، ثم ذكر أفعال الأحجار كحجر المقناطيس وغيره . قال أبو إسحاق : فأجابه أبو علي في نقضه عليه أنه يجوز أن يكون في الطبائع ما يجذب به النجوم ، وتسير به الجبال في الهواء ، ويحيى به الموتى ، بعد ما صاروا رميما ، فإذا لا يمكن أن يفصل بين الممكن المعتاد ، وما ليس بمعتاد ، ولا بين ما ينفذ فيه حيلة وبين ما لا ينفذ فيه حيلة ، إلا أن يجوب البلاد شقا وغربا ويعرف جميع قوى الخلق ، فأما إذا سلم أن يعلم ما الممكن المعتاد وغيره وما لا يبعد فيه حيلة ، ليريه النظير في المعجزات قبل أن يجوب البلاد ، فليس يحتاج من يعرف كون الجاذب معجزا إلى ما ذكره من معرفة قوى الخلق وطبائع الجواهر ، ولهذا لو ادعى واحد النبوة وجذب بالتراب الجبل علمنا أنه ليس فيه وجه حيلة ، وإنا نعلم بذلك صدقه ، قبل أن نجوب البلاد ونعرف جميع الطبائع . وقال أبو إسحاق : إن جميع ما ذكره في خصائص الاعجاز أكثره كذب وذكر أن واحد أمر أن يجيئ بالأفاعي في سبد وجعل الزمرد في رأس قصبة ووجه به عين الأفاعي ، فلم تسل ، ثم إن جميع ما ذكره يسقط بما شرطناه في المعجزات ، ويفتش عنه أهل النظر ، ومن يقوى دواعيه إلى كشف عواره الزمان الطويل ، فلا يوقف منه على وجه حيلة ، ففيما ذكره ما هو معتاد ظاهر لأكثر الناس ، كحجر المقناطيس ، أو وقف منه على وجهه .

--> ( 1 ) هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي البغدادي ، العالم المقدم المشهور ، له مقالة في علم الكلام ، وله مجالس ومناظرات مع جماعة من المتكلمين وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا ، وكان يرمى بالزندقة والالحاد .